الامبراطور عار تماما!
مصطلح "الإمبراطور عار تماما" كان إحدى قصص "أندرسن" وتحول لمصطلح قائم بذاته في اللغات الغربية. والقصة حول إمبراطور يعيش في برج عاجي بعيدا عن رعيته لا يهمه سوى أموره الخاصة ويحب الملابس والأناقة لدرجة الهوس.. وكان الجميع يعرف عنه ذلك حتى دفع اثنين من النصابين ليحتالا عليه فيوهمانه أنهما سيصنعان له ملابس من نوع قماش نادر لم ولن يرتديه أحد.. وبالطبع سال لعاب الإمبراطور لأن هذا القماش لا يراه سوى الأذكياء والحكماء فقط! ومن ثم أخذته العزة بالإثم ووافق وكان النصابان يقومان بالحياكة ويقيسان عليه الثوب بينما لا يوجد شيء بين أيديهما من الأساس!
ولما عجز الإمبراطور بطبيعة الحال عن رؤية القماش ظن أن ذلك لأنه ليس حكيما وليس لأنه لا يوجد قماش ولكن مجرد فراغ!.. ولكنه مضى في الأمر خشية افتضاح أمره، وأن يعرف الشعب بالأمر.. وشاع أمر القماش بين رجال الإمبراطور ووزرائه والعامة وصار كل من يأتي به الإمبراطور لرؤيته ليخبره برأيه يروي قصصا عن روعة القماش حتى لا يظنه الباقون غبيا!.. وهكذا الوزير يخشى أن يعزله الإمبراطور من منصبه لو أعلن أنه لا يرى القماش، ومن أسفل منه منصبا يقوم بالمثل وهكذا إلى أصغر موظف.. كلهم رأوا القماش بل وأبدوا إعجابهم الفائق به!.. بل دفع النفاق الشعب كله أثناء مرور موكب الإمبراطور أن يظهر كل أفراده الإعجاب الشديد بالثوب الجديد بينما الإمبراطور يسير عاريا!.. وهكذا دب النفاق في أوصال الشعب عدا طفل صغير أعلن بصوت خفيض أن "الإمبراطور عار تماما" فصمت الجميع ثم هللوا لهذه البراءة التي عجز النفاق عن تلويثها!
القصة رائعة بحق وليست فقط قصة أطفال عادية تحمل عظة ما.. بل هي تستحق أن تكون خالدة وأن يصير فعلا عنوانها مصطلحا يزيدها خلودا تماما كـ"كعب أخيل" و"حصان طروادة" وسواها من المصطلحات التي لها أصل أدبي أو تاريخي.. ولو تأملت حولك سترى أننا نحاكي أبطال القصة تماما كما لو كنا ممثلين نؤدي الأدوار نفسها على خشبة مسرح خفي!.. فخطأ الإمبراطور في البداية كان من الممكن تداركه سريعا في اللحظة نفسها لو أن أيا من رجاله كان به لمسة صدق ما.. لكن ما حدث أن الإمبراطور دب الرعب في نفسه حيث ظن أنه معدوم الذكاء لدرجة أنه انكشف أمره عندما عجز عن رؤية مجرد ثوب في أول اختبار لذكائه!.. وهكذا بدأت عجلات الساقية تدور.. الكل يقسم أنه يرى قماشا بديعا بل ويزيدون في وصف روعته وبهاء تطريزه الفريد!..
وهو ما يدور الآن في كل مكان وزمان..تجد الكل يهلل للإصلاح الفذ الذي نشهده في شتى المجالات.. تجد المسئولين يتبارون في إعلان النهضة الشاملة التي تعيشها البلاد حتى تكاد تصيبك الريبة في قواك البصرية والعقلية.. ثم إن كنت في موقع مسئول تخشى عليه أكثر مما تخشى ضميرك فتعلن أنت أيضا رؤيتك للقماش!.. وهكذا تمضي الأمور.. يهلل الكبير لشيء لا يوجد حتى في الأحلام فيتبعه المهللون الصغار وتسير العدوى كالنار في الهشيم حتى تجد أمة كاملة من الجوقة والمهللين يرددون اللحن الرتيب بأمانة بينما لا توجد أي آلات موسيقية ولا حفل غنائي من الأساس!..
لذلك تجد مسئولا رفيعا يخبرك أن التعليم بأفضل حال، وأنه يشهد نقلة عصرية، بينما الاختبارات يتم تسريبها وتشهد المدارس الحكومية حفلات غش جماعي والطلاب يقفزون من على الأسوار فور بدء اليوم الدراسي!.. ولذلك تجد مسئولا آخر يخبرك أن الأمة تعيش رخاء اقتصاديا غير معتاد رغم عصف الأزمة الاقتصادية بالجميع إلا نحن..! ومعدلات النمو والتنمية في أوجها والكل يعيش في رفاهية.. بينما الشباب العاطل يزدادون عددا على مقهى "زيكو" حتى لم يعد هناك مكان شاغر بعدما امتدت مقاعده للرصيف المقابل والميدان!.. ولذلك تجد مسئولا ثالثا يعلن بابتسامة عريضة أننا نعيش أزهى عصور الديمقراطية والحرية بينما يتم الزج بالمعارضين في السجون، ويتم اعتقال أي طالب له أي نشاط بالجامعة حتى لو كان نشاطا رياضيا، محيلين الجميع لمجموعة من كسالى النفوس..!
فهكذا ترى من يهلل لملابس الإمبراطور التي لا وجود لها في كل مكان.. يبدأ أحدهم فيخشى الباقون على مواقعهم من مسئولين أو رجال صحافة وإعلام تخصصوا في الإعجاب بالملابس المزعومة.. فتمضي عدوى النفاق كالنار في الحطب ليصل بنا الحال ليس فقط لأن نتظاهر برؤية القماش بل أن نصدق أننا نرى حقا ملابس ونشك في قوتنا البصرية!.. وإن حاول أحد إعلان نفاق كل هؤلاء فإن هذا الصوت البريء سيضيع وتهرسه الأقدام لو أعلنها وحيدا بعد أن تغول وحش النفاق لدرجة تفوقت على شعب الإمبراطور ذاته.. حتى لتشك أننا صرنا فخورين بعوراتنا وتبجحنا لدرجة لم يعد فيها السير عاريا أمرا يضايقنا!!
وهذه الخصلة دفعت المئات من أمثال المحتالين كي يلعبا على نقطة ضعفنا تلك لأنهما يعلمان أنهما فور الضغط عليها سيحققان ما يريدان وسيتظاهر الجميع برؤية قماشهما المزعوم! وهكذا صرنا لقمة سائغة لعمليات احتيال أعلنا فيها بكل تبجح أننا نرى قماشا وأثوابا وعباءات وأيضا نرى زرافة حمراء وأفيالا زرقاء وديناصورات صغيرة!!.. بينما الحقيقة أنه لا قماش هنالك ولا غيره بل إننا نسير عراة وقد صدقنا الكذبة حتى أخذ الجميع يضحك من سذاجتنا مشيرين لعوراتنا التي لا نراها بعد أن أعمانا النفاق عنها.
فنحن في أشد الحاجة الآن لذلك الصوت البريء الشجاع الذي يجسر أن يعلنها ويضم غيره معه ليقف أمام كل هؤلاء المنافقين ليعلن أنه لا وجود للملابس وأن الوضع أصبح كعبارة "الإمبراطور صار عاريا تماما" لعلنا نفيق ونهرع لستر سوءاتنا!
ولما عجز الإمبراطور بطبيعة الحال عن رؤية القماش ظن أن ذلك لأنه ليس حكيما وليس لأنه لا يوجد قماش ولكن مجرد فراغ!.. ولكنه مضى في الأمر خشية افتضاح أمره، وأن يعرف الشعب بالأمر.. وشاع أمر القماش بين رجال الإمبراطور ووزرائه والعامة وصار كل من يأتي به الإمبراطور لرؤيته ليخبره برأيه يروي قصصا عن روعة القماش حتى لا يظنه الباقون غبيا!.. وهكذا الوزير يخشى أن يعزله الإمبراطور من منصبه لو أعلن أنه لا يرى القماش، ومن أسفل منه منصبا يقوم بالمثل وهكذا إلى أصغر موظف.. كلهم رأوا القماش بل وأبدوا إعجابهم الفائق به!.. بل دفع النفاق الشعب كله أثناء مرور موكب الإمبراطور أن يظهر كل أفراده الإعجاب الشديد بالثوب الجديد بينما الإمبراطور يسير عاريا!.. وهكذا دب النفاق في أوصال الشعب عدا طفل صغير أعلن بصوت خفيض أن "الإمبراطور عار تماما" فصمت الجميع ثم هللوا لهذه البراءة التي عجز النفاق عن تلويثها!
القصة رائعة بحق وليست فقط قصة أطفال عادية تحمل عظة ما.. بل هي تستحق أن تكون خالدة وأن يصير فعلا عنوانها مصطلحا يزيدها خلودا تماما كـ"كعب أخيل" و"حصان طروادة" وسواها من المصطلحات التي لها أصل أدبي أو تاريخي.. ولو تأملت حولك سترى أننا نحاكي أبطال القصة تماما كما لو كنا ممثلين نؤدي الأدوار نفسها على خشبة مسرح خفي!.. فخطأ الإمبراطور في البداية كان من الممكن تداركه سريعا في اللحظة نفسها لو أن أيا من رجاله كان به لمسة صدق ما.. لكن ما حدث أن الإمبراطور دب الرعب في نفسه حيث ظن أنه معدوم الذكاء لدرجة أنه انكشف أمره عندما عجز عن رؤية مجرد ثوب في أول اختبار لذكائه!.. وهكذا بدأت عجلات الساقية تدور.. الكل يقسم أنه يرى قماشا بديعا بل ويزيدون في وصف روعته وبهاء تطريزه الفريد!..
وهو ما يدور الآن في كل مكان وزمان..تجد الكل يهلل للإصلاح الفذ الذي نشهده في شتى المجالات.. تجد المسئولين يتبارون في إعلان النهضة الشاملة التي تعيشها البلاد حتى تكاد تصيبك الريبة في قواك البصرية والعقلية.. ثم إن كنت في موقع مسئول تخشى عليه أكثر مما تخشى ضميرك فتعلن أنت أيضا رؤيتك للقماش!.. وهكذا تمضي الأمور.. يهلل الكبير لشيء لا يوجد حتى في الأحلام فيتبعه المهللون الصغار وتسير العدوى كالنار في الهشيم حتى تجد أمة كاملة من الجوقة والمهللين يرددون اللحن الرتيب بأمانة بينما لا توجد أي آلات موسيقية ولا حفل غنائي من الأساس!..
لذلك تجد مسئولا رفيعا يخبرك أن التعليم بأفضل حال، وأنه يشهد نقلة عصرية، بينما الاختبارات يتم تسريبها وتشهد المدارس الحكومية حفلات غش جماعي والطلاب يقفزون من على الأسوار فور بدء اليوم الدراسي!.. ولذلك تجد مسئولا آخر يخبرك أن الأمة تعيش رخاء اقتصاديا غير معتاد رغم عصف الأزمة الاقتصادية بالجميع إلا نحن..! ومعدلات النمو والتنمية في أوجها والكل يعيش في رفاهية.. بينما الشباب العاطل يزدادون عددا على مقهى "زيكو" حتى لم يعد هناك مكان شاغر بعدما امتدت مقاعده للرصيف المقابل والميدان!.. ولذلك تجد مسئولا ثالثا يعلن بابتسامة عريضة أننا نعيش أزهى عصور الديمقراطية والحرية بينما يتم الزج بالمعارضين في السجون، ويتم اعتقال أي طالب له أي نشاط بالجامعة حتى لو كان نشاطا رياضيا، محيلين الجميع لمجموعة من كسالى النفوس..!
فهكذا ترى من يهلل لملابس الإمبراطور التي لا وجود لها في كل مكان.. يبدأ أحدهم فيخشى الباقون على مواقعهم من مسئولين أو رجال صحافة وإعلام تخصصوا في الإعجاب بالملابس المزعومة.. فتمضي عدوى النفاق كالنار في الحطب ليصل بنا الحال ليس فقط لأن نتظاهر برؤية القماش بل أن نصدق أننا نرى حقا ملابس ونشك في قوتنا البصرية!.. وإن حاول أحد إعلان نفاق كل هؤلاء فإن هذا الصوت البريء سيضيع وتهرسه الأقدام لو أعلنها وحيدا بعد أن تغول وحش النفاق لدرجة تفوقت على شعب الإمبراطور ذاته.. حتى لتشك أننا صرنا فخورين بعوراتنا وتبجحنا لدرجة لم يعد فيها السير عاريا أمرا يضايقنا!!
وهذه الخصلة دفعت المئات من أمثال المحتالين كي يلعبا على نقطة ضعفنا تلك لأنهما يعلمان أنهما فور الضغط عليها سيحققان ما يريدان وسيتظاهر الجميع برؤية قماشهما المزعوم! وهكذا صرنا لقمة سائغة لعمليات احتيال أعلنا فيها بكل تبجح أننا نرى قماشا وأثوابا وعباءات وأيضا نرى زرافة حمراء وأفيالا زرقاء وديناصورات صغيرة!!.. بينما الحقيقة أنه لا قماش هنالك ولا غيره بل إننا نسير عراة وقد صدقنا الكذبة حتى أخذ الجميع يضحك من سذاجتنا مشيرين لعوراتنا التي لا نراها بعد أن أعمانا النفاق عنها.
فنحن في أشد الحاجة الآن لذلك الصوت البريء الشجاع الذي يجسر أن يعلنها ويضم غيره معه ليقف أمام كل هؤلاء المنافقين ليعلن أنه لا وجود للملابس وأن الوضع أصبح كعبارة "الإمبراطور صار عاريا تماما" لعلنا نفيق ونهرع لستر سوءاتنا!
